التاريخ السري للصداقة التركية-اليونانية - سليمان سيفي أوغون
GAZETE YAZARI

التاريخ السري للصداقة التركية-اليونانية

11 August 2022, 02.24

بدأت سياسات الصداقة والتقارب بين مصطفى كمال أتاتورك ورئيس الوزراء اليوناني الأسبق "فينيزيلوس" بعد حرب الاستقلال والتي يُطلق عليها اليونانيون اسم "كارثة آسيا الصغرى".

وقد انقلبت العلاقات السلمية بين تركيا واليونان رأسًا على عقب في نهاية الحرب العالمية الثانية، وذلك نتيجة سياسات بريطانيا الاستفزازية. واستمر التوتر بينهما حتى بعد أن أصبحتا عضوين في حلف شمال الأطلسي (الناتو).

وقد بدأنا ندرك قضايا قبرص وبحر إيجة تدريجيًا. ثم حدثت عملية قبرص عام 1974 ومشاكل بحر إيجة. وقد نشأ عداء عميق بين الرأي العام التركي واليوناني.

وأعتقد أن مرحلة الثمانينيات كانت رائعة للغاية بالنسبة العلاقات التركية-اليونانية. وفي سنة 1974، رأى اليونانيون أن الغرب خذلهم أمام الأتراك في حرب قبرص وتأسيس جمهورية شمال قبرص التركية. وفي أعقاب الثورة الإسلامية الإيرانية سنة 1979، أرادت الولايات المتحدة الأمريكية تقوية الجناح الجنوبي الشرقي لحلف الناتو مرة أخرى. ولهذا، كان من الضروري إعادة دمج اليونان في الهيكل العسكري لحلف الناتو. إلا أن الكوادر السياسية في تركيا، عارضوا ذلك الأمر بإصرار، وذلك في عهد سليمان ديميريل، وبولنت أجاويد.

وهناك من يعتقد أن انقلاب 12 سبتمبر/ أيلول كان مرتبطًا إلى حد ما بكسر هذه المقاومة. وفي واقع الأمر، من الواضح للعيان أن أحد الإجراءات الأولى التي اتخذها كنعان إيفرين، رئيس الأركان العامة آنذاك، كان إزالة العقبات أمام عودة اليونان إلى حلف الناتو، في إطار خطة الجنرال روجرز القائد الأعلى لقوات حلف الناتو في أوروبا آنذاك؛ الأمر الذي جعل اليونانيين يتنفسون الصعداء.

وفي الثمانينيات، حدثت أشياء مثيرة للاهتمام في عالم الثقافة؛ إذ بدأ اليسار التركي، الذي عانى من الضربة الشديدة للانقلاب العسكري، في خلق ما أسميته "التراخي الثقافي". وهو نوع من الهروب من الذات والماضي. وكانت الظروف مهيئة أيضًا لذلك.

وقد بدأ تورغوت أوزال (الرئيس الثامن للجمهورية التركية) في التحرك السياحي. ومن المثير للتفكير أن العديد من اليساريين السابقين شاركوا في هذه العملية وبدؤوا بالعمل في مجال الإرشاد السياحي. وذلك من خلال الاقتراب من الطبيعة عبر السياحة البحرية والمرتفعات، والأذواق الريفية ذات الطابع البسيط، والاهتمام بالتاريخ الثقافي الفرعي من خلال مجموعة واسعة من المعالم الأثرية والعمرانية بالإضافة إلى فنون الطبخ ...إلخ

وكانت منطقة بحر إيجة ولاسيما مدينة "بودروم" هي العاصمة الجغرافية الأكثر ملاءمة لذلك. وكانت التداعيات قوية جدًا أيضًا. وكان ناظم حكمت يصف بحر إيجة بـ "العنب والتين والعسل" في ملحمة الشيخ بدرالدين. وقد ترك العديد من الأدباء مثل: هاليقارناس باليقجيسي، عزرا إرهات، وأورهان بوريان، وصباح الدين أيوب أوغلو، "بودروم" إرثًا أدبيًا كبيرًا حول بلدة "بودروم" الوادعة التي تشكل مزيجًا رائعًا من التاريخ والطبيعة والأشخاص البسطاء الذين لم يتأثروا بماديات الحضارة الحديثة.

وكان سكان بحر إيجة مختلفين عن سكان وسط الأناضول الذين يتصفون بالخشونة، وسكان البحر الأسود المعروفين بحدة الطبع. وكان أفضل شيء من الممكن أن يصفهم هو الركود والاسترخاء تحت أشعة الشمس، والمرح في برودة الليل.

وفي ظل هذا المناخ، كان من الممكن إنشاء جمهورية ثقافية جديدة، وإذا أمكن، دمجها في الاتحاد الأوروبي. (ربما كانت هذه هي الجمهورية الثانية). وكانت المقطوعة الموسيقية "بودروم ، بودروم" للثلاثي الموسيقي المعروف مظهر- فؤاد- أوزقان، بمثابة النشيد الوطني لهذه الجمهورية السرية.

وبالطبع، أزعجتهم بعض الأشياء. كما انضم المحدثون في اتجاه بودروم. وكان زكي مورَن، شمس الفن لدينا، مستقرًا أيضًا مع أتباعه. وكانت بودروم تتدهور. لا ضير، فالجغرافيا لم تُمس. وكانت هناك دائمًا أماكن لم تُمس. وكان الهروب سيستمر. وعلى الرغم من كل شكاويهم، إلا أنهم لم يتخلوا عن منطقة بحر إيجه. وأخيرًا، كان العداء لحزب العدالة والتنمية كافيًا لدفن الخلافات الداخلية المحتملة للجمهور والتي ستنشأ من الاختلاف الدقيق والمبتذل.

وفي الثمانينيات من القرن الماضي، أُجريت زيارات متكررة بين رجال الثقافة المنتسبين لليسار التركي وشركائهم في اليونان، وترجمات متبادلة للأدب، وحفلات موسيقية، واجتماعات صداقة حول مواضيع مختلفة. وكان الشعار آنذاك "كاليمرحبا" وهو مكون من كلمتنين مدمجتين هما: "مرحبا" التركية و"كاليميرا" اليونانية وتعني صباح الخير. وكان هذا بمثابة منطقة التوسع للجمهورية الوهمية.

وفي مكان ما في الأذهان، كانت هناك جمهورية إيجة الخالية من "صفراء الأناضول"، حتى وإن لم يتم الكشف عنها. وكانت حفلات زولفو ليوانيلي، وثيودوراكيس، و فاراندوري، تسير بشكل متبادل. وتظهر حفلات البوسفور الموسيقية أن البلدين لديهما ماض مشترك، وأن عددًا لا يحصى من الشباب اليوناني جاء إلى تركيا لتعلم الموسيقا التركية.

وكانت حفلات الـ "ريبيتيكو" الموسيقية لا يمكن تفويتها. وكانت حفلات فرقة "يني توركو" تملأ الأجواء مرحًا.

لا أعرف ما الذي يجري على الجانب الآخر من هذا التقارب الثقافي، وكيف يتم استقبال العملية. من الضرورة بمكان معرفة هذا الأمر من شخص يوناني عاقل. مسار المشهد لدينا كما شرحت أعلاه .

تتساءلون ماذا حدث بعد ذلك؟ في عام 1996، وصلت تركيا واليونان فجأة إلى أعتاب الحرب. وقد جمعت الزلازل، التي حدثت واحدة تلو الأخرى في كلا البلدين في عام 1999 الرأي العام مرة أخرى. لقد نسينا مشاكلنا وساعدنا بعضنا البعض بحماس. قام يورغو وإسماعيل برقص متبادل لـرقصات الـ "سرتاكي" (رقصة فولكلورية يونانية حديثة) وكذا الـ"هورون"(رقصة فولكلورية بمنطقة البحر الأسود).

ثم ماذا؟

في الوقت الحالي ثمة برودة في العلاقات بين البلدين مرة أخرى، وتصاعد في وتيرة الأعمال العدائية. وها نحن على أعتاب الحرب مرة أخرى.

ولعل ما قاله ماركس عن الدين ينطبق في الحقيقة على الثقافة والفن. فالبعض يمضغ هذا الأفيون من أجل الهروب من حقائق العالم، والبعض يمضغه ليريح نفسه. وكان الكاتب والروائي التركي، سعيد فائق، يقول: "الجمال سينقذ العالم" تحت تأثير هذا الأفيون.

SON DAKİKA

#title#