ماذا يحدث في منطقة بحر قزوين؟ - سليمان سيفي أوغون
GAZETE YAZARI

ماذا يحدث في منطقة بحر قزوين؟

28 November 2022, 11.00

تسببت الحرب الأوكرانية والحظر المفروض على روسيا وتخريب خطَي أنابيب (التيار الشمالي) نورد ستريم إلى قطع العلاقات التجارية المتنامية بين أوروبا وآسيا على نطاق قاري. ويمكننا القول إن هدف التحالف الأنجلوأمريكي قد تحقق في هذا الصدد. وخلال السنوات العشر الماضية أثارت خسائر الإنتاج في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، وقضية تحول الصناعة ورأس المال، والتفوق التكنولوجي للصين، قلق هاتين القوتين الأطلسيتين بشدة (بريطانيا وأمريكا).

وبالنظر إلى المحيط الهادئ، نجد أن بعد فترة طويلة من الركود، لم تعد اليابان قادرة على منافسة الصين. كما أن تايوان التي تعد مركز صناعة الرقائق الإلكترونية في العالم أصبحت تحت الحصار الصيني.

إن مسألة تعزيز روابط الطاقة بين دول الاتحاد الأوروبي -خاصة ألمانيا، التي استمرت في إنتاجها على الرغم من جميع الأزمات التي حدثت في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين- وروسيا، وتكامله مع انضمام الصين، سيؤدي إلى نهاية العالم المهيمن المتمركز حول المحيط الأطلسي.

ومن جهة أخرى، تواصل الصين استثماراتها ذات الاتجاه الواحد ( كانت قبل تنتشر في أوروبا بشراء ميناء تلو الآخر). كما بدأت الصين في اتخاذ خطوات لإزالة قاعدة الأموال الاحتياطية للهيمنة الأطلسية.

ومؤخرًا ضُغط على الزناد وتم اختيار أوكرانيا واندلعت الحرب. وضمن خطتهم الكاملة، كان هدفهم وراء نشوب الحرب الأوكرانية هو قطع الخط الشمالي لإمدادات الطاقة. والهدف الآخر هو قطع الاتصالات بين أوروبا وآسيا من خلال التحكم في الممر المائي العابر لأوروبا E-40 (يصل بحر البلطيق بالبحر الأسود).

هل نجحوا في تحقيق ذلك؟ نعم لأن إصلاح خط الطاقة الشمالي (نورد ستريم) يستغرق عشر سنوات على الأقل. والأوضاع في منطقة خيرسون تشير إلى عدم إمكانية تشغيل الممر المائي E-40 في الوقت الحالي.

ويبدو أنهم انتقلوا الآن إلى المرحلة الثانية من خطتهم الكلية. وتهدف المرحلة الثانية من خطتهم إلى ممارسة الضغط على روسيا في البحر الأسود عبر منطقة القوقاز والسيطرة الكاملة على بحر قزوين، ثاني أكبر ممر للطاقة. وهناك العديد من الدول الواقعة تحت التهديد في هذه المنطقة بما في ذلك تركيا. لا بد أن نؤكد مرة أخرى أن غايتهم إحداث فوضى كبيرة في دول منطقتي بحر قزوين والقوقاز. حتى لو وصل بهم الأمر إلى إشعال الحرب في تلك المناطق إذا أمكن.

إن التوقعات تشير إلى أنهم اختاروا إحداث توتر بين أذربيجان وأرمينيا كمركز جديد لعدم الاستقرار، وهناك العديد من الأسباب التي تؤيد هذه التوقعات. لهذا يتمسك الاتحاد الأوروبي، بعد قطع إمدادات الطاقة عنه من قبل روسيا، بموارد الطاقة الموجودة في منطقة بحر قزوين، التي ترتكز في دولتي أذربيجان وتركمانستان. (لنذكر كيف تم استقبال الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف ببروتوكول رسمي ورفيع المستوى في الاتحاد الأوروبي - يمكننا أيضًا اعتبار أن هذا ما تطالب به ألمانيا). ولا سيما أن علييف وجه ضربة موجعة لأرمينيا في الحرب الأخيرة وحرر مناطق هامة من إقليم "قره باغ".

في وقت لاحق، أصبحت أذربيجان التي أقامت تحالفًا استراتيجيًا مع تركيا، مركز اهتمام جميع القوى العالمية. كما أن روسيا لا تريد أن يزداد التوتر بين أذربيجان وأرمينيا ويمتد إلى المنطقة بأكملها، وخاصة إلى جورجيا. ولا أعتقد أنها راضية عن تسلم تركيا زمام المبادرة في المنطقة.

تتعرض فرنسا والولايات المتحدة للضغوط من قبل الجالية الأرمنية التي تتمع بثقل كبير في مجتمعاتهما. فنرى فرنسا قد وقفت إلى جانب أرمينيا. بينما بقيت ألمانيا صامتة إلى حد ما بشأن هذه القضية (حرب قره باغ).

فرنسا التي تحاول استغلال فرصة قيادية جديدة لمصلحتها عبر تعثر ألمانيا لا تريد لقاء أوروبا ـ وخاصة ألمانياـ بنفط وغاز منطقة بحر قزوين.

ويبدو أن الكتلة الأطلسية لن ترغب في ارتباط الاتحاد الأوروبي ببحر قزوين. لذلك من الواضح تمامًا أنهم يضعون ثقلهم ليقفوا إلى جانب أرمينيا. وسيكون إنقاذ أرمينيا من دائرة النفوذ الروسي وإضعاف التحالف التركي الأذربيجاني أكبر مكاسبهم وأهدافهم. وفي الآونة الأخيرة كان رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان يلعب على هذا الخط.

من جهة أخرى، إن خيارات روسيا الاستراتيجي مسألة تثير الفضول. فإذا واصلت اختيار تحالفها مع تركيا وأذربيجان ضد فرنسا والولايات المتحدة وبريطانيا فمن المؤكد أنها ستخسر أرمينيا. وإلا فإن العلاقات مع أذربيجان وتركيا ستكون صعبة. علاوة على ذلك سيتعين على روسيا الاختيار بين إسرائيل وإيران. وهذا هو المكان الذي تكبر فيه المعادلة. لأن إسرائيل وإيران كانتا متورطتين في التوتر القائم بين أذربيجان وأرمينيا. إيران تنحاز بشكل علني إلى أرمينيا وتهدد أذربيجان. وإسرائيل تقف إلى جانب أذربيجان بكل قوتها. أما روسيا التي تحتاج إلى كليهما في آن واحد، فسنرى كيف ستدير التوتر التركي الفارسي في المنطقة.

جغرافية إيران القديمة منفتحة على كل من القوقاز والخليج في آن واحد. ويصل نطاق نفوذها إلى شرق البحر الأبيض المتوسط. ومن الشرق تحدها باكستان. ويمكننا التوقع من خلال الاتفاقات طويلة الأمد بين إيران والصين أن الأمور ستصبح أكثر حدة بالنسبة لإيران.

وأعتقد أن الخطوة الأخيرة التي اتخذتها إيران كانت حاسمة. فلو لم يكن الأمر كذلك، لما اعترضت الكتلة الأطلسية على بقاء النظام في إيران. حتى إسرائيل كان بإمكانها أن تدرج في مصالحها الوطنية أن تكون في صراع مع النظام الإيراني من بعيد، بشرط ألا يكون قريبًا جدًا. ومع ذلك، فتحت إسرائيل جبهة مدمرة ضد إيران من الشمال، من خلال التقارب النسبي مع تركيا بما يتماشى مع مصالحها الخاصة وانتشارها بالكامل في أذربيجان. هناك أسباب كثيرة تشير إلى أن الاحتجاجات المنتشرة في إيران هي من عمل الموساد. يبدو أن إسرائيل قررت سحب البساط من تحت قدمي إيران .

يصمم بايدن والديمقراطيون على اتباع سياسة ناعمة تجاه إيران على حساب إسرائيل، لكن أعتقد أن البنتاغون والقيادة المركزية لن يكونا متسامحين مع إيران استنادًا للتقارب بينها وبين الصين. يراقبون من بعيد تصرفات إسرائيل في القوقاز بخروجها المستقل. وأعتقد أنهم بدؤوا بتطبيق نظرية الفوضى هنا في هذه المنطقة. كل هدفهم هو تحويل المنطقة إلى جحيم بدلاً من أي انتصار أي طرف. مثلما بذلوا قصارى جهدهم لنشوب الحرب الأوكرانية الروسية، ليس لدي أدنى شك في أنهم سيفعلون الشيء نفسه في هذه المنطقة.

SON DAKİKA

#title#