في رحاب فتَّاح أفندي - طه كلينتش
GAZETE YAZARI

في رحاب فتَّاح أفندي

06 July 2022, 09.51

يُعَدْ عبد الفتَّاح رؤوف، المعروف باسم "فتَّاح أفندي"، المولود في إسكوبية (عاصمة مقدونيا الشمالية) عام 1910، أحد الأسماء البارزة والرمزية لمسلمي البلقان بقصته المليئة بالصبر والنضال.

تلقى فتَّاح أفندي، المنحدر من إحدى عائلات إسكوبية المعروفة، تعليمًا متميزًا برعاية ودعم والده رؤوف أفندي. وقد تخرج فتَّاح أفندي، من مدرسة "مداح" عام 1933، والتي أعاد إحيائها عطا أفندي (عطاء الله قورتيش)، أحد علماء إسكوبية البارزين. وعمل مدرسًا للعقيدة وعلم الكلام في المدرسة التي تخرج فيها، إلى جانب قيامه بمهمة الوعظ والإرشاد في مساجد إسكوبية.

وعندما تم تعيين أستاذه عطا أفندي عضوًا في "مجلس علماء إسكوبية"، عُيّن فتَّاح أفندي، مديرًا لمدرسة "مداح" بلقب "باشمُدَرِسْ". وكان بكر صادق (1920 - 1993) من بين العديد من طلابه الذين نهلوا من علمه. وقد درّس بكر صادق، الذي هاجر لاحقًا إلى إسطنبول في كلية الإلهيات بجامعة مرمرة لسنوات عديدة، وهو أحد مؤسسي "وقف دراسات العلوم الإسلامية" (إيساف)، فضلا عن إجادته للعديد من اللغات، وترجمته المتميزة للقرآن الكريم إلى اللغة التركية.

وبعد أن سيطر الحكم الشيوعي على يوغوسلافيا عام 1945، عاش فتَّاح أفندي، سنوات صعبة للغاية. وعندما تم إغلاق مدرسة "مداح" وتسريح موظفيها، وجد فتَّاح أفندي وزملائه المعلمين أنفسهم في المحاكم. وحُكم على فتَّاح أفندي، بالسجن سبع سنوات، إذ تمت محاكمته في جرائم صورية مختلفة. وقضى جزءًا من عقوبته كأشغال شاقة في محاجر بلدة "دوبوي" بالبوسنة والهرسك.

ولم تنته محنة فتَّاح أفندي بعد إطلاق سراحه من السجن؛ فقد ظل تحت المراقبة المستمرة، ومنع من العمل مدة من الزمن، ولم يُسمح له حتى بالعمل كمؤذن. وقد عمل فتَّاح أفندي، في السنوات الأخيرة من حياته، خبيرًا لترجمة الوثائق العثمانية في الأرشيف المقدوني، وتوفي في 24 أبريل/نيسان عام 1963 في إسكوبية.

الجدير بالذكر أنني تعرفت على شخصية فتَّاح أفندي عن طريق الأخ الفاضل سيفبا عبد الله وزملائه، الذين بذلوا جهودًا كبيرة من أجل إحياء ذكراه، ولا سيما أن "أفندي" لعب دورًا حاسمًا في الحفاظ على القيم الوطنية والروحية ونقلها في إسكوبية، التي لا تزال واحدة من أكثر مدن البلقان حفاظًا على الطابع العثماني.

و أسس سيفبا وزملائه جمعية فتَّاح أفندي للتربية والفكر في مدينة إسكوبية عام 2016، حيث ما زالت تواصل تلك الجمعية أنشطتها بهدف تعريف الأجيال الجديدة بهذا الرجل العظيم صاحب العلم والنضال، وترك آثار خالدة في تقاليد حياتنا من خلال اتباعه. ومؤخرًا، نظمت الجمعية برنامجًا شيقًا وشعبيًا للغاية بعنوان "حضارتنا في الأندلس". وتوج البرنامج، الذي تم تنفيذه من خلال عقد الندوات، وقراءات الكتب، والعروض الوثائقية، برحلة إلى الأندلس. وعندما دعاني سيفبا إلى إسكوبية لحضور الندوة الختامية لبرنامج "حضارتنا في الأندلس"، والتي تابعتها عن كثب، لم أتردد بالتأكيد للحظة في قبول الدعوة.

وعندما كنت ألقي كلمتي، مساء الجمعة الماضية 1 يوليو/تموز، حول "الدروس المستفادة من التجربة الأندلسية للمسلمين" في "تشيفته حمام" (الحمام المزدوج)، وهو أحد الحمامات التقليدية والمعالم العثمانية في بازار إسكوبية التاريخي، كان هناك اهتمام شديد وحضور واسع لجمهور ودود. وقد أظهر تواصلنا، وخاصة في فقرة الأسئلة والأجوبة، أن مشروع "حضارتنا في الأندلس" كان له استجابة عميقة بين الشباب.

ومن بين العناوين التي اخترتها تحت عنوان "الدروس المستفادة من التجربة الأندلسية" قصة العالم الغرناطي الشهير الشاطبي، المتوفى في عام 1388 والمنحدر من مدينة غرناطة، إحدى أهم مدن منطقة الأندلس الإسبانية. وقد ذكرتُ الشاطبي كمثال على بعض الأسماء التي لم تكن معروفة جيدًا، والتي لم تتح لها إمكانية الخدمة في عصرها، والتي احتلت مكانة ثابتة في ذاكرة المسلمين في القرون التالية.

وها هو فتَّاح أفندي، يظهر مجددًا على الساحة بفضل جهود مجموعة من المسلمين من إسكوبية، بعد سنوات عديدة من وفاته، ويلعب دورًا بارزًا في الحياة العلمية والفكرية بالمدينة، بقصائده وأشعاره، التي سلط الضوء عليها أيضًا سيفبا وزملائه وجمعوها في صورة كنب مطبوعة، وسيبذلون قصارى جهدهم أيضًا للتعريف بشخصية فتَّاح أفندي إلى الأجيال الشابة الجديدة. ومن يدري ما ستأتي به النتائج المثمرة التي ستحققها كل هذه الخطوات المخلصة في المستقبل.

وبما أنني قد ذهبت إلى إسكوبية، سيكون من المستحيل عدم زيارة ضريح السلطان العثماني مراد الأول، ومدينة بريزرن، ومدينة إيبك (بيخا) في كوسوفو. لقد حجزنا في اليوم التالي رحلة عودتنا المباركة هذه. وسأشاركم انطباعاتي عن الزيارة يوم السبت 9 يوليو/تموز المقبل إن شاء الله.

SON DAKİKA

#title#